|
العميد المتقاعد برهان إبراهيم
كريم
مع أوباما سيكون أمام الولايات المتحدة الأمريكية
فرصة أخيرة للتعامل مع الشعوب بأسلوب جديد.
وهذه ليست مجرد وجهة نظر جماعة أو حزب,وإنما هو ما
يسعى إليه الشعب الأميركي في عهد أوباما من جديد.
ويخطئ من يظن أن بمقدور الرئيس أوباما أن يحل كل
قضية مازالت عصية وتؤرق وتقض المضاجع الكثير.
فأوباما نال ثقة حزبه ومراكز القوى والنفوذ,وبايعه
الأمريكيون لينجز مهام عدة. ومنها على سبيل
المثال:
1. إنقاذ الدولة الأعظم والقطب الوحيد من الدرك
الأسفل الذي أسقطها فيه الرئيس بوش ومحافظيه. 2.
إعادة الاعتبار للسود من قبل الشعب الأمريكي
والحزب الديمقراطي ليكون الرئيس الجديد من السود.
بعد أن وظف الحزب الجمهوري بعض السود لتحقيق مطامح
محافظيه.فخدعوا كولن باول ودفعوه لكي يستقيل
للاستقالة, وتركوا السيدة غونداليزا رايس تشوه
سمعة بلادهم وتسيء للسود. 3. مواكبة التغيير
والتطور في نفسية المجتمع الأميركي وثقافته
السياسية التي باتت تمقت التمييز العنصري, بعد أن
أقتنع الغالبية من الأميركيون بأن نسيجهم إنما هو
مزيج عرقيات مركب يحميه تحقيق المساواة. 4. الحد
من الانهيارات التي تعصف بالمجتمع الأمريكي.والنظر
إلى باراك أوباما على أنه يمثل رئيس توافقي.
5. تحسين صورة الولايات المتحدة الأمريكية من خلال
شخصية أوباما وسلوكه القويم,وأصوله التي تجمع
الإسلام والمسيحية,وجذوره الأفريقية والأمريكية.
6. انتزاع السلطة من المحافظين الجدد والليبراليين
الجدد,وإعادتها لأصحابها من العلمانيين
والليبراليين.
7. إعادة اللحمة لحلف الناتوا,نتيجة شعور الغالبية
العظمى من شعوب دوله بأن حكوماتهم باتت دمى بأيدي
الإدارة الأمريكية وتورطت معها بمخطط قذر ,شوه
صورتهم,وأفقدهم دورهم ومواقعهم. 8. معالجة الشروخ
و الانهيارات في المجتمع الأمريكي وفي الاقتصاد
والمؤسسات.
9. وقف انهيار وتصدع دور الولايات المتحدة
الأمريكية كدولة عظمى وحيدة تقود وتحكم العالم.
10. وضع حد لحالة استنساخ الأعداء للشعب الأمريكي
وبلاده الذي انتهجته إدارة جورج بوش. 11. تعزيز
الأمن القومي الأمريكي من خلال إيجاد الحلول
للمشاكل والقضايا التي تهدد الأمن العالمي.
12. التعامل بموضوعية وحكمة مع الأخطار التي تتهدد
الولايات المتحدة الأمريكية بعيدا عن لغة الحرب.
وقد أصاب الأمريكيين في اختيارهم لأوباما لتحقيق
هذه الأهداف.ولكنه يبقى كأي إنسان يخطأ ويصيب. إلا
انه لن يتعامل معهم بأساليب إدارة جورج بوش في
التضليل والكذب والخداع ,أو أن يجرهم إلى
المهالك.مع علمهم أن الشعوب ستكون حذرة إن كان في
تفاؤلها أو تشاؤمها,ولن تحكم على أوباما من مجرد
نية أو تصريح.وأن ما من أحد ينتظر منه المعجزات
,أو حل كل المشاكل المستعصية والتي تؤرق وتقض
مضاجع الكثير. فأوباما ليس لديه سفينة سيدنا نوح
عليه السلام, ولا قوة وقدرة ذي القرنين, ولا علم
وحكمة الخضر عليه السلام,ولا قدرة سيدنا المسيح
صلوات الله وسلامه عليه.ولا عصا كليم الله موسى
عليه السلام. ولا حكمة لقمان. ولن تأخذ أحد الدهشة
وهول المفاجأة من كل خطوة يخطوها أوباما والتي قد
تكون مغايرة لصورته التي رسمت في العقول. ولن
يتفاجأ أحد إن نكص أوباما بوعوده, أو أخطأ في بعض
مواقفه, أو لم يحالفه الحظ في كثير من
الأمور.فأوباما رئيس دولة فيها الكثير من مراكز
القوى والنفوذ ومراكز الدراسات والأبحاث, ولها دور
في صنع القرار.فلا عجب أن نرى ونشهد الكثير من
المفاجآت.ومنها على سبيل المثال: • تطابق مواقف
أوباما مع مواقف الرئيس جورج بوش حتى
20/1/2009م.فالرئيس أوباما مازال يعتبر نفسه مواطن
في دولة مازال رئيسها جورج بوش والذي لم تنته
ولايته بعد. • إعادة تغيير وترتيب أوباما
لأولوياته فور تسلمه لمهامه.بحيث يعطي جل وقته
لمعالجة الشأن الداخلي لبلاده ولو على حساب باقي
القضايا والمشكلات مهما كانت حساسة أو هامة أو
معرضة للانفجار. فالأزمة الاقتصادية العالمية
والأمريكية بطأت النمو بشكل خطير ومخيف, وتباطؤ
النمو معناه الركود,والركود سيؤدي إلى تراجع كبير
في المبيعات, وبذلك ستتفاقم البطالة التي تخطت
حاجز7% حتى الآن.حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل
خلال هذا العام فقط ما يقارب المليونين
أمريكي,والبطالة ستدفع بملايين الأسر النزوح إلى
مخيمات الصفيح المكتظة بالفقراء. والطبقة الوسطى
تتعرض حاليا للإفلاس والانهيار. وحرب العراق تطحن
أسبوعيا أكثر من 4مليار دولار. والعجز في
الميزانية الأمريكية تخطى حاجز الألف مليار
دولار,وديون بلاده التي استدانتها إدارة جورج بوش
من الصين وغيرها من الدول تزيد عن 10 تريليون
دولار وهي في تضخم وازدياد.ومشاكل بلاده ستتفاقم,
وهامش المناورة أمامه ضيق ويضيق أكثر بمرور الوقت.
وتعابير الأزمة المالية والطبقات الاجتماعية
والبعد الطبقي عادت إلى سوق التداول في المجتمع
الأميركي من جديد.وسيل النقد اللاذع لسياسة ريغان
التي رضخت لضغوط النظام الرأسمالي في رفع المراقبة
عن وول ستريت.
• اضطرار أوباما إلى طلب مزيد من القروض ليفي
بالوعود التي قطعها لشعبه.وليس أمامه سوى الصين
ودول مجلس التعاون الخليجي.وعبر أوباما عن ذلك بعد
فوزه مباشرة حين قال:وضعنا الاقتصادي صعب ونحتاج
المساعدة. والصين ستعرض عليه شروطها تراها ضرورية
لتعزيز أمنها القومي لدعمه بالقروض من جديد. ودول
مجلس التعاون الخليجي إن أحسنت التصرف ووضعت شروط
لإقراض إدارته ستحقق لبلادها وللشعبين العربي
والإسلامي ولقضاياهم المصيرية الكثير الكثير,ولكن
التجارب السابقة لا تبشر بالخير. وربما سيفسرها
البعض منهم على أنها خير شاهد ودليل على أنه بات
ذو شأن كبير,وأنه سيحظى بحب واحترام أوباما
وإدارته وشعبه.وسيهرع لينافس من شدة فرحته الغامرة
في كرمه جود حاتم طي. وحتما سوف يغفل شرط أن لا
تستفيد أو تنعم بقروضه وجوده ومساعداته إسرائيل
على الأقل .ولذلك لن يشعر أوباما بأي ضغط عليه لحل
قضية فلسطين,أو حتى في إشراك الدائنين معه في
إعادة صياغة نظام عالمي ومصرفي جديد. وقد يذهلنا
البعض بهرولته إلى واشنطن لينافس أقرانه في من سعة
جوده وكرمه على أوباما وبلاده. • والمحافظون الجدد
والجمهوريون لن يسلموا بهزيمتهم بسهولة, وسيلجئ
البعض منهم للعبث في أجزاء حساسة من عربة الإصلاح
والتغيير, لإعاقة سيرها وإبطاء سرعتها,أو دفعها
لتتدهور, وبطريقة لم تخطر حتى لذهن مصمميها.
وسيعمد البعض منهم لعرقلته أو تقييد حريته وحركته.
وهذا بدا جليا حين مدد وزير الدفاع الأميركي عامين
لرئيس هيئة الأركان المسلحة الأمريكية. وحين بات
في حكم المستحيل تبديل بعض الوجوه الأمنية
الأمريكية. وأوباما أستوعب فحوى هذه الإشارة والتي
معناها ضم الجمهوريين لإدارته من خلال إسناد مناصب
لهم.وهو ما عبر عنه رئيس الأقلية الجمهورية ميتش
ماكونيل بقوله:أهنيء الرئيس أوباما وسأعمل معه
بأسم الشعب الأميركي.........والإدارة الجمهورية
على استعداد للاستماع إلى أفكاره ليطبق الوعود
التي أطلقها في حملته الانتخابية والرامية على خفض
الضرائب وزيادة أمن الطلقة والحد من النفقات
ومعالجة عبء ديون وطنية هائلة.وحينها يتحتم على
أوباما تسخير ذكائه لإجبار الحزبان على التعاون
معا لحل المشاكل المستعصية وأرث بوش الثقيل المتخم
بالمشاكل حتى لا يتحمل هو وحزبه فقط وزر تبعات
الفشل.وبذلك يقطع طريق عودة الجمهوريين إلى البيت
الأبيض بعد أربع سنين.
• والرئيس أوباما لن يحرره من ضغوط اللوبي وخاصة
اللوبي الصهيوني سوى تصليب الموقفين العربي
والإسلامي,ليكونا بمثابة رد فعل مساوي ومعاكس لهذا
اللوبي. إلا أننا قد نشهد العكس تماما حيث سيسارع
البعض لتقزيم وتفتيت الموقفين العربي والإسلامي
لغايات ضيقة ومقيتة تخدم حماية المصالح الشخصية
والعروش.وبذلك يقدمون خدمة مجانية لإسرائيل لتضغط
على أوباما وتجبره على تبني الموقف الإسرائيلي
بعجره وبجره,وحتى ولو كان يتعارض مع ما نريده
ونتمناه أو ما يسعى إليه أوباما لحل يقوم على
دولتين.
• ولكي يبدد أوباما شكوك إسرائيل واللوبي الصهيوني
بنواياه, فقد عين رام عمانويل بوظيفة كبير موظفي
البيت الأبيض (((عمانويل من مواليد 1959م, راقص
بالية, خدم في الجيش الإسرائيلي عام1991م
1982م.وأحد مستشاري بيل كلينتون, وهو القيادي
الرابع في الحزب الديمقراطي, وأجبر زوجته العضو في
الكونغرس على تحويل ديانتها إلى اليهودية حين
خيرها بين رضاه وسخطه.والده الطبيب بنجامين
عمانويل من مواليد القدس ذو سجل إرهابي مميز في
منظمة أيتسيل السرية التي خاضت حرب عصابات ضد
القوات البريطانية قبل قيام دولة إسرائيل ,ثم انضم
إلى منظمة الأرغون الإرهابية, ووالدته أميركية
اعتنقت اليهودية, ووالد عمانويل وصف العرب بأنهم
عمال نظافة مما أضطر عمانويل لأن يصرح بعد تعيين
ابنه قائلا: اعتذر من قلبي نيابة عن عائلتي
وبالأصالة عن نفسي عما قاله والدي,فهذه ليست القيم
التي تؤمن بها عائلتي أو التي تربيت عليها))). وقد
وصفت صحيفة شيكاغو تربيون عمانويل بهذه الكلمات:
قاتل سياسي ويقوم بمهاجمة خصومه من دون هوادة أو
رحمة,ويتعقب أي شخص يقف في طريقه. وهو من قاد
الحزب الديمقراطي ليفوز في الأغلبية في مجلس
النواب.وعمانويل سيحشد الديمقراطيين والجمهوريين
خلف أوباما,إضافة إلى أنه مهندس الاتفاق بين عرفات
ورابين.ولذلك فأية خلافات قد تنشب بين أوباما
وحزبه أو بين إدارته وإسرائيل سيتكفل بحلها
عمانويل.
• وأوباما على قناعة بأن إسرائيل على ثقة أنه لا
فرق جوهري بين رؤية إدارة أوباما وإدارة بوش بخصوص
الملف النووي الإيراني وملف حل الصراع الفلسطيني
الإسرائيلي. إلا أنها تتخوف من مسائل أربع: تقليص
أوباما المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل,
فتح أوباما لحوار مع إيران,و غموض بعض مواقفه من
المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية, ولجوء إدارته
إلى إلغاء تأشيرة دخول الإسرائيليين إلى الولايات
المتحدة المعمول بها منذ عقود. • وسيصطدم أوباما
بموقف فحواه أن العالم لن يقبل إلا أن يكون شريكا
مساهما بجميع أقطابه وأثنياته في صياغة القرار
الدولي سياسي أو غير سياسي, وهذا يحتم عليه أن
تكون إدارته خليط من الديمقراطيين والجمهوريين.
حتى يتحمل الجميع مسؤوليات هذا الوضع الجديد.
• ولأن أوباما على دراية بأن الديمقراطية
الأمريكية التي تعرض على العالم من خلال العمليات
الانتخابية إنما بمعظمها أشبه بلعبة فيديو خادعة.
وأحد تصريحات رايس الأخيرة يكشف هذه الحقيقة,وخاصة
حين قالت: نميل إلى الاعتقاد بأننا مرغبون في
السياسات الدولية,أو أن الناس تحب ما نفعله.لكننا
ندرك أيضا أن علينا مسؤولية غير عادية لأداء ما
نرى أنه صواب.وأحيانا ما نفعله لا يلقى قبولا
شديدا.وأخيرا فإن الرئيس الأمريكي سيفعل الصواب
دائما, وهو ما تريدونه بالطبع في الرئيس الأمريكي.
وحين سألت رايس عن انطباعاتها عن الرئيس جورج بوش
.قالت: أنه مخلص جدا وعبقري جدا ومرهف الإحساس
ومتواضع جدا ولطيف جدا, ويسعد من يتواجد حوله ويحب
الفنون الجميلة والموسيقى الريفية.وكأن رايس بهذا
الجواب تود الإشارة إلى أمور ثلاث:أن دورها كان
دور هيكلي لا أكثر.وأن هناك إدارة خفية هي من
أجبرت بوش على الكذب.وأن غالبية الشعوب وشعبها
الذين رفضوا نهج إدارتها خطاة ومخطئون لا يميزون
بين الألف والعصا ولم يفطنوا لما أشار إليه بوش
حين قال أن الرب كان يوحى إليه.وأنه قصد بهذا الرب
الإدارة الفعلية الحقيقية والخفية.
• وأوباما الذي يريد تحقيق النصر يعرف أن هزيمة
إدارة الرئيس جورج بوش كانت نتيجة هزيمة القوى
والوسائط التي ستؤول إليه.وإعادة زجها في الحروب
مرة أخرى إنما هو تجريب المجرب, ومن يجرب المجرب
إنما هو إنسان خرق وأحمق.وأوباما ذكي لن يرتكب هذا
الخطأ.
• وإصرار أوباما على حسم الحرب في أفغانستان سيكون
من الصعوبة بعد أن اتسعت ساحة المواجهة لتشمل بعض
مناطق باكستان.ولجوء بعض حلفاء بلاده للهرب.وسيجد
أوباما أن لا حل لديه سوى العودة سيعود بالقضية
إلى مجلس الأمن, وفتح حوارا بخصوصها مع دول الجوار
,ليساهموا بالحرب أو المصالحة الأفغانية ويتحملوا
مسئولية الفشل.
• وأوباما على قناعة ولو تعمد سترها وتغييبها
وإخفائها أن ما أنتجته إدارة الرئيس جورج بوش من
ثورات ملونة وتيارات متعددة وأنظمة حكم فرضت
بالقوة تتبرقع براية الحرية والديمقراطية,إنما هي
نظم تمتهن القتل والإرهاب والإجرام.وأن إنتاجها
إنما كان جريمة وخطأ.وأن هذه الثورات والتيارات
والأنظمة الهزيلة لسوئها وفسادها باتت تأكل من
سمعة واقتصاد وكرامة بلاده كما يأكل المنشار من
الحديد أو يلحس من الفولاذ المبرد.وسيجد نفسه في
حرج إن تعاون معها, أو لجأ ليريحها بانقلاب يكون
لها بمثابة طلقة الخلاص. • ومرحلة الحرب الباردة
التي استفادت منها بلاد أوباما لن تتكرر. وهذا ما
أكده رئيس الوزراء الروسي بوتين.وسيحتار أوباما
كيف يمشط شعرة في صلعة بلاده.
• وسيجد أوباما أن وعي شعوب العالم متقدم بأكثر
بكثير من مستوى فهم إدارات بلاده لحقيقة هذه
الشعوب ومدى قدراتها في التصدي لمن يريد بها شرا
أو ضرا.ولذلك كانت تصرفات إدارة الرئيس جورج بوش
مع هذه الشعوب أشبه بتصرف طاغية مازال يظن أنه
يعيش القرون الوسطى وليس القرن الحادي
والعشرون.وأوباما سيكون محكوم عليه التعامل مع هذه
الشعوب بمنطق عصر ثورة الأتمتة والمعلومات وحقوق
الإنسان وقيم الحرية والديمقراطية.وهذا يتعارض مع
مصالح نظام بلاده الرأسمالي ومصالح الامبريالية
والصهيونية |